أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

48

نثر الدر في المحاضرات

واحد أحبّاء وأخدانا وأهلا ، ثم يدخل كلّ واحد منهما وغر على أحبّاء صاحبه ، ثم تنساق الأمور إلى إهلاك أحدهما لما لا بد له من الفناء ، فتفضي الأمور إلى الآخر وهو حنق على جيل من الناس يرى أنه موتور إن لم يحرمهم ويضعهم وينزل بهم التي كانوا يريدونها به ، لو ولّوا ، فإذا وضع بعض الرعيّة وأسخط بعضا على هذه الجهة تولّد من ذلك ضغن وسخط من الرعية ، ثم ترامى ذلك إلى بعض ما أحذر عليكم بعدي . ولكن لينظر الوالي منكم للّه تعالى ثم للرعية ثم لنفسه ، ثم لينتخب وليّا للعهد من بعده ، ثم يكتب اسمه في أربع صحائف فيختمها بخاتمه فيضعها عند أربعة نفر من خيار أهل المملكة ، ثم لا يكون منهم في سرّ ولا علانية أمر يستدلّ به على وليّ ذلك العهد ، لا في إدناء وتقريب يعرف به ، ولا في إقصاء وتنكّب يستراب له ، وليتق ذلك في اللّحظة والكلمة ، فإذا هلك جمعت تلك الكتب التي عند الرهط الأربعة إلى النسخة التي عند الملك ، ففضضن جميعا ثم نوّه بالذي وضع اسمه في جميعهن . يلقى الملك ، إذا لقيه ، بحداثة عهده بحال السوقة ، فيلبس ذلك الملك ، إذا لبسه ، على بصر السّوقة وسمعها ورأيها أذنه ، فإن في سكر السلطان الذي يناله ما يكتفى به له من سكر ولاية العهد مع سكر الملك ، فيصم ويعمى قبل لقاء الملك كصمّ الملوك وعماهم ، ثم يلقى الملك فيزيده صمّا وعمى مع ما يلقى في ولاية العهد من بطر السلطان وحيلة العتاة وبغي الكذابين وترفية النّمامين ، وتحميل الوشاة بينه وبين من فوقه . ثم اعلموا أنه ليس للملك أن يكذب ؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه . وليس له أن يلعب ولا يعبث ؛ لأن العبث واللعب من عمل الفراغ ، وليس له أن يفرغ ؛ لأن الفراغ من عمل السّوقة ، وليس له أن يحسد ؛ لأن الحسد لا يجب أن يكون إلا على ملوك الأمم على حسن التدبير ، وليس له أن يخاف ؛ لأن الخوف من المعوز . وليس له أن يتسلط إن هو أعوز . واعلموا أن زين الملك في استقامة الحال ألا تختلف منه ساعات العمل والمباشرة وساعات الفراغ والدّعة وساعات الركوب والنزهة ؛ فإن اختلافها منه خفّة ، وليس للملك أن يخفّ .